عبد الرحمن بن ناصر السعدي
483
تيسير الكريم الرحمن في كلام المنان
الخضر منه ، فقال له : * ( هذا فراق بيني وبينك ) * فإنك شرطت ذلك على نفسك ، فلم يبق الآن عذر ، ولا موضع للصحبة . * ( سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبرا ) * أي : سأخبرك بما أنكرت علي ، وأنبئك بأن لي في ذلك من المآرب ، وما يؤول إليه الأمر . * ( أما السفينة ) * التي خرقتها * ( فكانت لمساكين يعملون في البحر ) * يقتضي ذلك الرقة عليهم ، والرأفة بهم . * ( فأردت أن أعيبها وكان وراءهم ملك يأخذ كل سفينة غصبا ) * أي : كان مرورهم على ذلك الملك الظالم ، فكل سفينة صالحة تمر عليه ، ما فيها عيب ، غصبها وأخذها ظلما ، فأردت أن أخرقها ، ليكون فيها عيب ، فتسلم من ذلك الظالم . * ( وأما الغلام ) * الذي قتلته * ( فكان أبواه مؤمنين فخشينا أن يرهقهما طغيانا وكفرا ) * ، وكان ذلك الغلام ، قد قدر عليه ، أنه لو بلغ ، لأرهق أبويه طغيانا وكفرا . أي : لحملهما على الطغيان والكفر ، إما لأجل محبتهما إياه ، أو للحاجة إليه يحملهما على ذلك ، أي : فقتلته ، لاطلاعي على ذلك ، سلامة لدين أبويه المؤمنين ، وأي فائدة أعظم من هذه الفائدة الجليلة ؟ وهو إن كان فيه إساءة إليهما ، وقطع لذريتهما ، فإن الله تعالى سيعطيهما من الذرية ، ما هو خير منه ، ولهذا قال : * ( فأردنا أن يبدلهما ربهما خيرا منه زكاة وأقرب رحما ) * أي : ولدا صالحا ، زكيا ، وأصلا لرحمه ، فإن الغلام الذي قتل ، لو بلغ لعقهما أشد العقوق ، بحملهما على الكفر والطغيان . * ( وأما الجدار ) * الذي أقمته * ( فكان لغلامين يتيمين في المدينة وكان تحته كنز لهما وكان أبوهما صالحا ) * أي : حالهما تقتضي الرأفة بهما ورحمتهما ، لكونهما صغيرين ، عدما أباهما ، وحفظهما الله أيضا ، بصلاح والدهما . * ( فأراد ربك أن يبلغا أشدهما ويستخرجا كنزهما ) * أي : فلهذا هدمت الجدار ، واستخرجت ما تحته من كنزهما ، ورددته ، وأعدته مجانا . * ( ورحمة من ربك ) * أي : هذا الذي فعلته رحمة من الله ، آتاها الله عبده الخضر * ( وما فعلته عن أمري ) * أي : ما أتيت شيئا من قبل نفسي ، ومجرد إرادتي ، وإنما ذلك من رحمة الله وأمره . * ( ذلك ) * الذي فسرته لك * ( تأويل ما لم تسطع عليه صبرا ) * . وفي هذه القصة العجيبة الجليلة ، من الفوائد ، والأحكام ، والقواعد ، شيء كثير ، ننبه على بعضه بعون الله . فمنها فضيلة العلم ، والرحلة في طلبه ، وأنه أهم الأمور ، فإن موسى عليه السلام ، رحل مسافة طويلة ، ولقي النصب في طلبه ، وترك القعود عند بني إسرائيل ، لتعليمهم وإرشادهم ، واختار السفر لزيادة العلم على ذلك . ومنها : البداءة بالأهم فالأهم ، فإن زيادة العلم وعلم الإنسان ، أهم من ترك ذلك ، والاشتغال بالتعليم ، من دون تزود من العلم ، والجمع بين الأمرين أكمل . ومنها : جواز أخذ الخادم في الحضر والسفر لكفاية المؤن ، وطلب الراحة ، كما فعل موسى . ومنها : أن المسافر لطلب علم أو جهاد أو نحوه ، إذا اقتضت المصلحة الإخبار بمطلبه ، وأين يريده ، فإنه أكمل من كتمه ، فإن في إظهاره ، فوائد من الاستعداد له ، واتخاذ عدته ، وإتيان الأمر على بصيرة ، وإظهار الشوق لهذه العبادة الجليلة ، كما قال موسى : * ( لا أبرح حتى أبلغ مجمع البحرين أو أمضي حقبا ) * . وكما أخبر النبي صلى الله عليه وسلم ، أصحابه حين غزا تبوك ، بوجهه ، مع أن عادته التورية ، وذلك تبع للمصلحة . ومنها : إضافة الشر وأسبابه إلى الشيطان ، على وجه التسويل والتزيين ، وإن كان الكل بقضاء الله وقدره ، لقول فتى موسى : * ( وما أنسانيه إلا الشيطان أن أذكره ) * . ومنها : جواز إخبار الإنسان عما هو من مقتضى طبيعة النفس ، من نصب وجوع ، أو عطش ، إذا لم يكن على وجه التسخط وكان صدقا ، لقول موسى : * ( لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) * . ومنها : استحباب كون خادم الإنسان ، ذكيا فطنا كيسا ، ليتم له أمره الذي يريده . ومنها : استحباب إطعام الإنسان خادمه من مأكله ، وأكلهما جميعا ، لأن ظاهر قوله : * ( آتنا غداءنا ) * إضافة إلى الجميع ، أنه أكل هو ، وهو جميعا . ومنها : أن المعونة تنزل على العبد على حسب قيامه بالمأمور به ، وأن الموافق لأمر الله ، يعان ما لا يعان غيره لقوله : * ( لقد لقينا من سفرنا هذا نصبا ) * والإشارة إلى السفر المجاوز ، لمجمع البحرين . وأما الأول ، فلم يشتك منه التعب ، مع طوله ، لأنه هو السفر على الحقيقة . وأما الأخير ، فالظاهر أنه بعض يوم ، لأنهم فقدوا الحوت حتى أووا إلى الصخرة . فالظاهر أنهم باتوا عندها ، ثم ساروا من الغد ، حتى إذا جاء وقت الغداء قال موسى لفتاه : * ( آتنا غداءنا ) * ، فحينئذ تذكر أنه